Activity

  • أحمد عبد الله المغربي posted an update 1 month, 3 weeks ago

    (الشّاذُّ) وإِشْكَاليَّةُ القِيَاسِ عَليْهِ
    مُقَارَبةٌ نَقْدِيَّةٌ لِقَولِ الأَعْرابيِّ: « جَاءتْهُ كِتَابِي فاحْتَقَرَهَا»
    د. أَحْمَد عَبْد الله المَغْرَبيّ
    عَضْو هيئةِ تدريسِ اللّغَةِ العَربيَّةِ- سَابِقاً
    عَلَى المُتَكلِّمِ بالعَربيَّةِ أنْ يَتَّبِعَ سُنَنَ العَرَبِ في كلامِهمْ، فَيَأتِيَ ما أَتَوا، ويتركَ ما تَركُوا، فإنْ خالفَ فقد اسْتُهدِفَ وصارَ غَرَضاً يُرمى، وسيجدُ النُّقَّادُ إلى نَقْده باباً مُشْرَعاً، وإلى الاعتراضِ على كلامِهِ سبيلاً مَهْيَعاً! ولهذا لمَّا قالَ الأعرابيُّ: « جَاءَتْهُ كِتَابِي» مُخَالِفاً للقياسِ؛ بتأنيثِ الفِعلِ مع الفَاعلِ المفردِ المذكَّرِ، ولمْ تَكُنْ لهُ حُجَّةٌ من سَماعٍ، أو قِياسٍ، أو إجماعٍ، أو استصحابِ حالٍ، يَحتجُّ بها على موافقةِ كلامه لكلام العرب، اعترضَ عليه أَبو عَمْرو بنُ العَلَاء (154ه)، قائلاً له: « أتقولُ: جَاءَتْهُ كِتَابِي؟!» أيْ: كيفَ تُخَالِفُ سُنَنَ العَرَبِ في كلامِهمْ؟!
    وهذهِ الحِكَايَةُ عن الأعرابيِّ صحيحةٌ موثَّقَةٌ، أَوْرَدَتْها جملةٌ من كُتبِ التُّراثِ، كان أوَّلَها كتابُ (الجمهرة) لابن دريد(321ه)، جاء فيه: « أخْبرنَا أَبُو حَاتِم عَن الْأَصْمَعِي قَالَ: قال أَبو عَمْرو بنُ الْعَلَاء: سَمِعت أَعْرَابِيًا يَمَانِياً يَقُولُ: فلَانٌ لغوبٌ جَاءَتْهُ كتابي فاحتقرها! فَقلت: تَقُولُ: جَاءَتْهُ كتابي؟! فَقَالَ: أَلَيْسَ بِصَحِيفَة؟! فَقلتُ لَهُ: مَا اللغوب؟ فَقَالَ: الأحمق»( ).
    فإشْكَاليَّةُ المقالِ هي مجيئُ قولِ الأعرابيِّ: « جاءتْهُ كِتَابِي» مُخَالفاً للقِياسِ؛ فإن القياس في هذا التَّرْكِيبِ يقضي بوجوب المطابقة بينَ الفعلِ والفاعلِ في التَّذكيرِ والتَّأنيثِ.
    وعَنْ هذه الإشْكَاليَّةِ انبثقَ سؤالَا المقالِ:
    الأَوّلُ- ما هو مَوْقِفُ النَّحْويينَ مِنَ المُخَالفةِ بينَ الفعلِ والفاعلِ في التَّذكيرِ والتَّأنيثِ في هذا التَّرْكِيبِ؟
    والثَّاني- ما هو مَوْقِفُ (علماء أصول النحو) من القياسِ على هذا التَّرْكِيبِ؟
    • مَوْقِفُ النَّحْويينَ:
    إنّ موقفَ النَّحويينَ مِنَ المُخَالفةِ بينَ الفعلِ والفاعلِ في التَّذكيرِ والتَّأنيثِ في هذا التَّرْكِيبِ، هو المنعُ، والاعتراضُ، وعدمُ الإقرارِ؛ لمخالفتهِ لقاعدةِ المطابقةِ بينَ الفعلِ والفاعلِ في النَّوعِ، وأشدُّ ما تكونُ المطابقةُ واجبةً حينما يكونُ الفاعلُ مفرداً مذكَّراً، كهذا التَّرْكِيبِ الذي نطق به الأعرابيُّ؛ ولهذا سارعَ أبو عمروِ بنُ العَلاءِ إلى الاعتراضِ عليهِ، كما تقدّمَ قريباً.
    ولكنّ الأعرابيَّ لم يَشْعرْ بالمخالفة؛ لكونه (حَمَلَ) الكتابَ على الصحيفةِ، فأَنَّثَ، ولذلك كان جوابه حاضراً عندما اعترض عليه أبو عمرو، فقال: أَلَيْسَ الكتابُ بِصَحِيفَة؟! وكأنّهُ يقول: ( أَنا لمْ أخالفِ القِياسَ ولا سُنَنَ العَرَبِ في كلامِهمْ، وإنما راعيتُ المعنى، فحملتُ الكتابَ على الصحيفةِ).
    ولكنَّ النُّحاة لم يستسيغوا تأويله، ولم يستسيغوا (حمْلَ المذكرِ على المؤنثِ) كاستساغتهمْ (حمْلَ المؤنَّثِ على المذكرِ)؛ لأنَّ الأول (ردُّ أصلٍ إلى فرعٍ)، والآخر (ردُّ فرعٍ إلى أصلٍ)، جاء في (الخصائص) : « … تأنيث المذكَّرِ أذهبُ في التناكر والإغراب»( )، فهذا التَّعليقُ من ابن جِنِّيّ(392ه) دالٌّ على عدمِ رضاه عن كلامِ الأعرابيّ، كعدمِ رضاه عن كلامِ الشاعرِ الذي قال:
    يأيها الراكبُ المُزْجي مطيَّتهُ*** سائلْ بني أسدٍ ما هذهِ الصَّوتُ
    بتأنيثِ المبتدأِ (هذه)، مع الخبر المذكر (الصوت)، حملاً للصوت على الاستغاثة( )، فإنّ ابن جِنِّيّ قدْ عدّ كلاميهما من قسم الشاذّ الذي يُسمع ولا يُستعمل ولا يُقاس عليه، جاء في (الخصائص) عن هذين التركيبين: « وكلُّ ذلك شاذٌّ في القياس والاستعمال … ولا يحسن أيضًا استعماله فيما استعملتْه فيهِ [العرب] إلا على وجه الحكاية»( )؛ لأنَّه – كما قال ابن سيده(458ه): – « قَبِيحٌ من الضَّرورةِ … لأنّهُ خُروجٌ عن أَصلٍ إلى فَرعٍ، وإنَّما المُسْتجازُ من ذلك رَدُّ التأنيثِ إلى التذكيرِ؛ لأن التّذكيرَ هو الأصْلُ»( ).
    • مَوْقِفُ عُلماءِ أصول النّحْو:
    إنّ (علماء أصول النَّحو) يصنِّفون المسموعَ عن العربِ صنفين: مَسْمُوعٌ بِكَثْرةٍ، ومَسْمُوعٌ بِقِلَّةٍ، وكلُّ صنف يجعلونه نوعينِ: موافقٍ للقياس ومخالفٍ له، فالجميع أربعة أنواعٍ، ولكلّ نوعٍ حُكْمُهُ:
    النَّوعُ الأولُ- المَسْمُوعُ بِكَثْرةٍ الموافقُ لِلْقِياسِ (ويُطْلَقُ عَلَيْهِ: المُطَّردُ في الاستعمال والقياسِ جميعاً)، وذلك كرفع الفاعل ونصب المفعول وجر المجرور، في نحو: جاء زيدٌ، ورأيت زيداً، ومررت بزيدٍ. فرفعُ زيدٍ، ثمَّ نصبُهُ، ثمَّ جره في هذه التراكيب الثلاثة هو المَسْمُوعُ بِكَثْرةٍ الموافقُ لِلْقِياسِ، وهو كما قال ابن جِنِّيّ: « الغاية المطلوبة والمثابة المنوبة»( )، فحُكْمُ هذا النوع: أنْ يقبل، وأنْ يستعمل، وأنْ يقاس عليه؛ لاطراده سماعاً وقياساً، قال ابن الأثير(606ه):« فالمطّرد لك أنْ تقيسَ عليه نظائره، وغير المطرد سبيله أن يحفظ ولا يقاس عليه»( ).
    النَّوعُ الثَّاني- المَسْمُوعُ بِكَثْرةٍ المخالفُ لِلْقِياسِ (ويُطْلَقُ عَلَيْهِ: المُطَّردُ في الاستعمال الشَّاذُّ في القياسِ)، وذلك كاستعمالهم « استحوذ»، فهذا اللفظ مَسْمُوعٌ بِكَثْرةٍ مع كونه مخالفاً لِلْقِياسِ، وقد نصَّ ابنُ جِنِّيّ- على أنَّ « الاستعمالَ إذا وردَ بشيء أُخِذَ به وتُرِكَ القياسُ؛ لأنّ السَّماعَ يُبْطل القياسَ … فإذا ورد السَّماعُ بشيءٍ لم يبقَ غرضٌ مطلوبٌ، وعُدل عن القياس إلى السَّماع»( ).
    وقد أطبقتِ العربُ على النُّطق بـ(استحوذَ) مع مخالفته للقياس، قال ابن جِنِّيّ: « واعلم أن الشيء إذا اطرد في الاستعمال وشذ عن القياس فلا بد من اتباع السمع الوارد به فيه نفسه، لكنه لا يتخذ أصلًا يقاس عليه غيره»( )؛ لأنه شذَّ عن القياس، قال ابن الأثير: « وغيرُ المطَّرد سبيله أنْ يحفظَ ولا يُقاسَ عليه»( ).
    فهذا النوع الثاني، يقبل، ويحفظ، ويستعمل المسموع منه فقط، ولا يقاس عليه كما قاله ابن جِنِّيّ آنفاً، وقال أيضاً: « ألا ترى أنك إذا سمعت: استحوذ واستصوب أديتهما بحالهما ولم تتجاوز ما ورد به السمع فيهما إلى غيرهما، ألا تراك لا تقول في استقام استقوم، ولا في استساغ استسوغ، ولا في استباع استبيع»( )، وقال الشاوي(1096ه) مؤكداً نصّ ابن جِنِّيّ : « ولا يقاسُ على ما كثُرَ سماعُهُ خارجاً عن القياس … من نحو: قُرَشي، وثَقَفي، وسُلَمي، في نسب قريش، وثقيف، وسليم… فلا يُقاس عليه سعيد وكريم»، أيْ: فلا يُنْسَبُ إلى سعيد (سَعَدِي)، ولا إلى كريم (كَرَمِي)، بل يجب أنْ يقالَ: سعيدي وكريمي.
    النَّوعُ الثالثُ- المَسْمُوعُ بِقِلَّةٍ الموافقُ لِلْقِياسِ (ويُطْلَقُ عَلَيْهِ: الشاذُّ في الاستعمال المُطَّردُ في القياسِ)، وهذا النوع هو مِنْ أشدِّ أنواع الشَّاذِّ إشكالاً، وخلاصتُهُ أنَّه قسمانِ:
    أ – قِسْمٌ مَسْمُوعٌ بِقِلَّةٍ موافقٌ لِلْقِياسِ ولم يتعارض مع سَمَاعٍ آخَرَ، نحو: (شنئي) نسبة إلى (شنوءة)، فإنّه « لا نظير له في الألفاظ المسموعة مع إطباق العرب على النطق به، فهذا يقبل ويحتج به، ويقاس عليه إجماعاً … لأنه لم يسمع ما يخالفه، وقد أطبقوا على النطق به»( )، قال السيوطي(911ه) في (الاقتراح): « ليس من شرط المقيس عليه الكثرة، فقد يقاس على القليل لموافقته للقياس ويمتنع على الكثير لمخالفته له، مثال الأول [ يعني بالأول: القليل الموافق للقياس] : قولُهُمْ في النسب إلى (شنوءة، شنئي)، فلك أن تقول في ركوبة: ركبي، وفي حلوبة: حلبي، وفي قتوبة: قتبي؛ قياساً على شنئي»( )، وقال الشَّاوي مؤكداً نصَّ السيوطي في جواز القياس على شنوءة: « والجاري على القياس يقبل القياس عليه وإنْ قلَّ سماعه … فتقول: رَكَبي، وحَلَبي، وقَتَبي، في ركوبة وحلوبة وقتوبة، قياساً على شنئي في شنوءة»( ).
    ب – قِسْمٌ مَسْمُوعٌ بِقِلَّةٍ موافقٌ لِلْقِياسِ أيضاً لكنَّهُ يتعارض مع سَمَاعٍ آخَرَ، فهذا لا يقاسُ عليه، وذلك كقولهم: (عسى الغُوَيرُ أبؤساً) فقد ورد سَمَاعٌ آخَرُ « بحظره والاقتصار على ترك استعمال الاسم ههنا»( )؛ فهذا القسمُ قد عدَّهُ النُّحاة مما يسمع ولا يقاس عليه؛ لكونه يتعارض مع سَمَاعٍ آخَرَ كثُرَ سَمَاعه مع موافقته للقياس، كقوله تعالى:  فَعَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ[المائدة:52]، قال الأنباري(577ه): « ولو قلت: (عسى زيد القيام)، لم يجز؛ فأما قولهم: (عسى الغُوَيرُ أبؤساً)، فهو من الشاذ الذي لا يقاس عليه»( )، فهذا النص صريح في منع القياس على هذا القسمِ.
    النَّوعُ الرابعُ- المَسْمُوعُ بِقِلَّةٍ المخالفُ لِلْقِياسِ (ويُطْلَقُ عَلَيْهِ: الشاذُّ في الاستعمال والقياسِ جميعاً)، « نحو: ثوب مصوون … وفرس مقوود»( )، قال عنه ابن جِنِّيّ : « ذلك شاذٌّ في القياس والاستعمال، فلا يسوغ القياس عليه ولا رد غيره إليه، ولا يحسن أيضًا استعماله فيما استعملتْه فيهِ [العرب] إلا على وجه الحكاية»( ). فحُكْمُ هذا النوع الرابع: أنْ يُرَدَّ، وأنْ لا يستعملَ أبداً حتى المسموع الوارد لا يجوز استعماله؛ لأنّه « مخالفٌ للقياسِ فلا يُتَكَلَّمُ به؛ لأنّهُ مردودٌ»( )، ولا يقاسُ عَليه مُطْلقاً: لا نطقاً ولا تركاً، قال الشاوي: « وكما لا يقاس على الشاذ نطقاً، لا يقاس عليه تركاً، فلا يترك ماضي يزن قياساً على ماضي يذر»( ).
    • وَيَرى الباحثُ بعدَ هذه المقاربةِ في قواعدِ النَّحو وأصولِه، أنَّ قولَ الأعرابيِّ « جاءته كتابي»، هو قولٌ شاذٌّ مُخَالفٌ للسماعِ والقِياسِ، فهو بهذا مندرج في النوع الرابع المردود، إلاّ أنّ النّحاةَ استثنوه من حكم هذا النوع؛ لكونِ المُتَكَلِّمِ من « الفصحاءِ الموثوقِ بعربيَّتِهِمْ»( )، وله تأويلٌ صحيحٌ( )، وقد حكى السيوطي عن ابن جِنِّيّ، أنّهُ نصَّ على أَنَّ « الأقوى أنْ يُقبل ممن شُهِرَتْ فصاحتُهُ ما يُوْرِدُهُ»( )؛ ولهذا قبله النّحاةُ قبول سماع، فجعلوه من قبيل الشاذِّ الذي يحفظ، ولا يستعمل، ولا يقاس عليه، أي: لا يجوز لناطق أن يقول: « جاءته كتابي»؛ لأنّ هذا التركيبَ قاصرٌ جوازه على قائله الأول فقط، فلا يُباح استعماله لغيره؛ لشدة شذوذه، وكذلك لا يجوز القياس عليه، فلا يجوز أن يُقَالَ مثلاً: (وقعتْ البيتُ) بتأنيث الفعل (وقع)؛ حملاً على الدّار( )، قياساً على كلام الأعرابي، قال ابن الأثير: « ولا يجوز أنْ تقولَ: (وَقَعَتْ البيتُ)؛ حملاً على الدّار، ولا ( أَنْبتتْ المكانُ)؛ حملاً على الأرض؛ لأنّه حمل أصل على فرع، وقد شذّ قول بعض الأعراب: (إنّ فلاناً لغوبٌ جاءته كتابى فاحتقرها)، فقيل له فى ذلك، فقال: أليس الكتاب صحيفة؟!»( ).
    فهذا ما يراه الباحث في هذا التركيب المشكل نحوياً وأصولياً، وقد ذيلنا المقال بالجدول الآتي؛ بغية تلخيصه وتجليته.

    أنواع المسموع أحكام المسموع
    الأنواع المثال مسموعٌ
    بكثرة( ) مسموعٌ
    بقلة( ) مسموعٌ
    وافق القياس( ) مسموعٌ
    خالف القياس( ) يقبل
    المسموع فقط يستعمل
    المسموع فقط يقاس عليه
    الأول جاءَ زيدٌ  ×  ×   
    الثاني استحوذَ  × ×    ×
    الثالث أ – شنئي ×   ×   ( )
    ب –
    عسى الغوير أبؤساً ×   ×   ×
    ( )( )
    الرابع ثوبٌ مَصْوُوْنٌ ×  ×  × × × ( )
    مستثنى من الرابع جاءته كتابي ×  ×   × × ( )
    والحمد للهِ ربِّ العالمين( ).

Headquarters of the Union

Contact Us

Arabic languge International Union

en_USEnglish