Activity

  • ريم علي الحسين posted an update 1 hour, 33 minutes ago

    # **اللُّغَةُ العَرَبِيَّةُ… هُوِيَّةُ أُمَّةٍ أَمْ ضَحِيَّةُ عَصْرٍ؟**

    **﴿الرَّحْمَٰنُ ۝ عَلَّمَ الْقُرْآنَ ۝ خَلَقَ الْإِنسَانَ ۝ عَلَّمَهُ الْبَيَانَ﴾** [الرَّحمن: 1-4].

    ما أَعْظَمَ أَنْ يَبْدَأَ اللهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى آيَاتِهِ بِالتَّعْلِيمِ، وَأَنْ يَجْعَلَ البَيَانَ مِنْ أَوَّلِ النِّعَمِ الَّتِي امْتَنَّ بِهَا عَلَى الإِنْسَانِ؛ فَالبَيَانُ هُوَ اللُّغَةُ، وَاللُّغَةُ هِيَ هُوِيَّةُ الإِنْسَانِ، وَرُوحُ الأُمَمِ، وَذَاكِرَةُ الحَضَارَاتِ. وَإِذَا كَانَتِ الأَوْطَانُ تُحْفَظُ بِالحُدُودِ، فَإِنَّ الهُوِيَّاتِ لَا يَحْفَظُهَا إِلَّا اللِّسَانُ.

    وَمِنْ بَيْنِ لُغَاتِ الأَرْضِ كُلِّهَا، اخْتَارَ اللهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى اللُّغَةَ العَرَبِيَّةَ؛ لِتَكُونَ لُغَةَ آخِرِ رِسَالَاتِهِ، وَوِعَاءَ كَلَامِهِ، فَقَالَ: **﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾** [يوسف: 2]، وَقَالَ: **﴿بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ﴾** [الشعراء: 195]. فَلَيْسَ بَعْدَ هَذَا التَّشْرِيفِ شَرَفٌ، وَلَا بَعْدَ هَذَا الاخْتِيَارِ اخْتِيَارٌ.

    ولقد كانت العربيةُ، عبر قرونٍ طويلةٍ، لغةَ العلمِ، والفكرِ، والأدبِ، والحضارةِ. كُتِبَتْ بِهَا أُمَّهَاتُ الكُتُبِ، وَازْدَهَرَتْ بِهَا العُلُومُ، وَنُقِلَتْ مِنْ خِلَالِهَا مَعَارِفُ الأُمَمِ إِلَى العَالَمِ. فَلَمْ تَكُنْ لُغَةَ قَوْمٍ فَحَسْبُ، بَلْ لُغَةَ حَضَارَةٍ أَثَّرَتْ فِي التَّارِيخِ الإِنْسَانِيِّ كُلِّهِ.

    إِلَّا أَنَّ المُؤْلِمَ اليَوْمَ أَنَّ العَرَبِيَّةَ لَا تُهَدَّدُ مِنْ خَارِجِهَا، بَلْ مِنْ دَاخِلِ بُيُوتِنَا. فَقَدْ أَصْبَحَ بَعْضُ الآبَاءِ وَالأُمَّهَاتِ يَتَفَاخَرُونَ بِأَنَّ أَبْنَاءَهُمْ لَا يَتَحَدَّثُونَ إِلَّا بِاللُّغَةِ الإِنْجِلِيزِيَّةِ، وَيَعُدُّونَ ذَلِكَ مَظْهَرًا مِنْ مَظَاهِرِ الرُّقِيِّ وَالتَّحَضُّرِ، غَافِلِينَ عَنْ أَنَّ الطِّفْلَ الَّذِي يَفْقِدُ لُغَتَهُ الأُمَّ، يَفْقِدُ مَعَهَا جُزْءًا كَبِيرًا مِنْ هُوِيَّتِهِ وَانْتِمَائِهِ.

    إِنَّنَا لَا نُعَادِي اللُّغَاتِ الأُخْرَى، وَلَا نَدْعُو إِلَى إِهْمَالِهَا؛ فَالإِسْلَامُ حَثَّ عَلَى طَلَبِ العِلْمِ، وَالعَالَمُ اليَوْمَ يَفْرِضُ عَلَيْنَا أَنْ نُتْقِنَ أَكْثَرَ مِنْ لُغَةٍ. وَلَكِنَّ المُشْكِلَةَ تَبْدَأُ عِنْدَمَا تَحِلُّ اللُّغَةُ الأَجْنَبِيَّةُ مَحَلَّ العَرَبِيَّةِ فِي بُيُوتِنَا، وَعِنْدَمَا يَكْبُرُ الطِّفْلُ وَهُوَ يُحْسِنُ التَّعْبِيرَ بِلُغَةٍ غَيْرِ لُغَتِهِ، وَلَا يُجِيدُ قِرَاءَةَ كِتَابٍ عَرَبِيٍّ، أَوْ كِتَابَةَ فِقْرَةٍ سَلِيمَةٍ، أَوْ فَهْمَ آيَةٍ مِنْ كِتَابِ اللهِ.

    إِنَّ اللُّغَةَ لَيْسَتْ أَلْفَاظًا نُرَدِّدُهَا، بَلْ هِيَ قِيَمٌ، وَتَارِيخٌ، وَثَقَافَةٌ، وَوَعْيٌ. وَالأُمَمُ الَّتِي تَتَخَلَّى عَنْ لُغَتِهَا، تَتَخَلَّى – شَيْئًا فَشَيْئًا – عَنْ ذَاكِرَتِهَا، وَتُصْبِحُ أَكْثَرَ عُرْضَةً لِلذَّوَبَانِ فِي غَيْرِهَا. وَقَدْ صَدَقَ الشَّاعِرُ حَافِظُ إِبْرَاهِيمَ، حِينَ جَعَلَ اللُّغَةَ العَرَبِيَّةَ تَشْكُو أَهْلَهَا، فَقَالَ:

    **أَنَا الْبَحْرُ فِي أَحْشَائِهِ الدُّرُّ كَامِنٌ
    فَهَلْ سَأَلُوا الْغَوَّاصَ عَنْ صَدَفَاتِي؟**

    فَالعَيْبُ لَيْسَ فِي العَرَبِيَّةِ، بَلْ فِي مَنْ هَجَرَهَا، وَقَصَّرَ فِي تَعْلِيمِهَا، وَأَقْنَعَ أَبْنَاءَهُ أَنَّ التَّحَضُّرَ يَبْدَأُ بِالتَّخَلِّي عَنْهَا.

    إِنَّ مَسْؤُولِيَّةَ الحِفَاظِ عَلَى اللُّغَةِ العَرَبِيَّةِ لَا تَقَعُ عَلَى المَدْرَسَةِ وَحْدَهَا، بَلْ تَبْدَأُ مِنَ الأُسْرَةِ، حِينَ يَكُونُ الحِوَارُ فِي البَيْتِ بِالعَرَبِيَّةِ، وَيَكُونُ القُرْآنُ رَفِيقًا لِلأَبْنَاءِ، وَتَكُونُ القِصَّةُ العَرَبِيَّةُ جُزْءًا مِنْ يَوْمِهِمْ. ثُمَّ تَأْتِي المَدْرَسَةُ؛ لِتُحَوِّلَ العَرَبِيَّةَ مِنْ مَادَّةٍ دِرَاسِيَّةٍ إِلَى لُغَةِ إِبْدَاعٍ وَتَفْكِيرٍ وَحَيَاةٍ.

    إِنَّ مُسْتَقْبَلَ اللُّغَةِ العَرَبِيَّةِ لَنْ يُصْنَعَ بِالشِّعَارَاتِ، وَلَا بِالاحْتِفَالِ بِيَوْمِهَا العَالَمِيِّ فَقَطْ، بَلْ يُصْنَعُ حِينَ نُؤْمِنُ بِأَنَّهَا لُغَةُ مُسْتَقْبَلٍ، كَمَا كَانَتْ لُغَةَ حَضَارَةٍ، وَحِينَ نُرَبِّي أَبْنَاءَنَا عَلَى أَنَّ إِتْقَانَ الإِنْجِلِيزِيَّةِ مَطْلُوبٌ، وَلَكِنَّ الاعْتِزَازَ بِالعَرَبِيَّةِ وَاجِبٌ.

    وَأَخِيرًا، أَقُولُ: لَا يَخَافُ عَلَى العَرَبِيَّةِ مِنْ لُغَاتِ العَالَمِ، فَاللُّغَاتُ لَا تَقْتُلُ بَعْضَهَا، وَلَكِنْ يَخَافُ عَلَيْهَا مِنْ قُلُوبٍ نَسِيَتْ قِيمَتَهَا، وَأَلْسِنَةٍ هَجَرَتْهَا، وَبُيُوتٍ لَمْ تَعُدْ تَسْمَعُ فِيهَا صَوْتَهَا.

    **فَلْنُعَلِّمْ أَبْنَاءَنَا لُغَاتِ العَالَمِ؛ لِيَفْتَحُوا بِهَا أَبْوَابَ المَعْرِفَةِ، وَلْنُعَلِّمْهُمُ العَرَبِيَّةَ؛ لِيَبْقَى لَهُمْ وَطَنٌ يَسْكُنُ أَلْسِنَتَهُمْ، وَهُوِيَّةٌ لَا تَذُوبُ، وَقُرْآنٌ يَفْهَمُونَ آيَاتِهِ، وَتَارِيخٌ يَفْتَخِرُونَ بِهِ. فَإِنَّ الأُمَمَ قَدْ تَفْقِدُ أَرْضًا ثُمَّ تَسْتَعِيدُهَا، أَمَّا إِذَا فَقَدَتْ لُغَتَهَا، فَقَدْ فَقَدَتْ جُزْءًا مِنْ رُوحِهَا.**

Headquarters of the Union

Arabic languge International Union

en_USEnglish