مصطفى كمال الزايد posted an update 1 day, 21 hours ago
مشاركتي في ندوة «تمكين اللغة العربية في الفضاء الرقمي: التحديات والفرص المستقبلية»
التي أقامها «مركز أبحاث اللغة العربية» بالاتحاد العالمي للمثقفين العرب
ونشرت مخرجات الندوة في كتيب خاص بالاتحادعنوان الورقة: «المبادرات المجتمعية والتطوعية لتمكين اللغة العربية»
بسم الله الرحمن الرحيم
أبدأُ بحمد الله تعالى على تيسير هذه الوقفة أمام حضراتكم، للمشاركة بورقتي البحثية، وأصلي وأسلم على أفصح من نطق بالعربية رسول الله إلى الناس كافة، سيدنا محمد، وعلى آله الطاهرين وصحبه الطيبين، وأستفتح بقول الشاعر حليم دموس:
لغة إذا وقعت على أسماعنا كانت لنا بـرداً على الأكباد
سـتظـل رابطـة تؤلف بيننا فهي الرجاء لناطـق بالضاد
إنها هُويّتنا التي حملت موروث أمتنا الثقافي والتاريخي، وارتبطت بالخطاب الإلهي المتمثل بالقرآن الكريم، فحفظتْه في وقت نزوله، وحفظها في أشد سنيِّ ضعف أهلها، فكانت تنهض بعد كل كبوة، لتبقى الهُويّةَ العصيّةَ على كل العوامل السياسية والثقافية.
فبعد تحرر الدول العربية من الاحتلال الأوربي نهضتْ في حملة واسعة لإحياء اللغة العربية، فأُسس مَجمع اللغة العربية بالقاهرة عام 1932م، الذي ضم لغويين من كل الدول العربية، فقدّم إنجازاتٍ عظيمةً في ترسيخ الهوية اللغوية وتعريب المصطلحات الوافدة، فلم يكد يفُـتْـهُ شيء منها على مدى عقود.
ومع ترجمة النتاج الفكري الغربي وتدفق مصطلحاته، وغزارة أسماء المخترعات الوافدة، انتشرت في مجتمعنا مفرداتٌ وأسماءٌ لم تُتَرجمْ ولم تُعَرَّبْ، إلا قليلاً يرجع إلى جهود أفرادٍ أو مؤسساتٍ في حدود بلدان دون بلدان، فعلى سبيل المثال ترجم العراقيون كلمة «آيديولوجيا» إلى «ذهنية»، وترجم السعوديون كلمة «موبايل» إلى «جوال»، وترجم الفلسطينيون كلمة «إنترنت» إلى «شابكة»، وغير ذلك كثير، لكنها مع الأسف ظلت في حدود مجتمعاتِ مترجميها. وكان لغلبة المدنية الغربية وتفوّقِها في مجالات العلم والطب والاختراع الدورُ الأكبرُ في تنحية اللغة العربية، لتنحصر في مجالي الدين والأدب، في حين تحرِص الأسر على تعليم أبنائها اللغة الإنكليزية بالدرجة الأولى، لأنها باتت لغة العلم. بل إن جامعاتٍ حكوميةً باتت تدرس طلابها باللغات الأجنبية.
وبانتشار مواقع التواصل الاجتماعي اتسع الخرق على الراقع، فانتشرت الأسماء الأجنبية في المواليد، ولا سيما الإناث، وأصبح المتحدث يُدخل في أثناء حديثه مصطلحات أجنبية، وكأنها دليل على الثقافة، وحتى أسماؤهم يكتبونها بأحرف أجنبية، والمصيبة عند العوام، الذين صاروا يشتقون من المصطلحات الأجنبية أفعالاً. فمشكلتنا لم تعد في ازدواجية اللغة بين العامية والفصحى، وإنما بين العربية والأجنبية، ومن أغرب ما رأيت أن مَجْمَعاً للغة العربية؛ كان أولَ شروط التسجيل فيه: أنّ اسم المستخدم يجب أن يكون بحروف إنكليزية، ولا يقبل التسجيل بالحروف العربية!
إلا أن ذلك لم يكن النهاية، فقد حرَص معظم الدول على تمكين اللغة العربية في التعليم، فعلى المستوى العربي: تُدرَّس المراحل الثلاث الأولى باللغة العربية، أما في المرحلة الجامعية فمازال بعض الدول يعتمد لغة أجنبية، ولا سيما في الكليات العلمية، ولا تخفى على أحدٍ التجربةُ السورية الرائدةُ في تعريب التعليم الجامعي، بما في ذلك الطبُّ والهندساتُ بكل أفرعها، لكن – مع الأسف – لم تحذُ حذوَها دولةٌ أخرى.
وعلى المستوى العالمي: في ماليزيا اعتُمدت اللغة العربية لغةً أساسية في المناهج بدءاً من مرحلة الحضانة إلى الجامعة. وفي إندونيسيا شهد تعليم اللغة العربية تطوراً ملحوظاً، من حيث المناهجُ والإدارةً والمواردُ البشريةُ أيضاً، فوُضعت برامج تعليم اللغة العربية المكثفةُ في الجامعات، وأنشئت معاهد دوليةٌ لتعليم اللغة العربية، وفُتح باب التخصص في اللغة العربية بالجامعات. وفي الهند تُدرس اللغة العربية في المدارس والمعاهد والجامعات الإسلامية للضرورة الدينية، لكنَّ الجامعاتِ العلمانيةَ أيضاً أصبح فيها تخصص دراسة اللغة العربية، أما تركيا فبعد خروج السلطة من أيدي «الأتاتوركيين» أقبلت على تدريس اللغة العربية والقرآن الكريم والعلوم الدينية بأشدَّ ما تستطيع. وفي اليابان وكوريا أصبح لتدريس اللغة العربية معاهدُ متخصصة، أما في أمريكا فقد دخل تعليم اللغة العربية حتى في نطاق الجيش، طبعاً لغايات لا تخفى على أحد.
كما ظهرت بوادرُ غيرةٍ على اللغة العربية نشِطت على المستوى العالمي، فنهضت مؤسسات تعليمية وأخرى إعلامية، لمتابعة حملة الإحياء، وذلك بـخطوات تمثلت بـالآتي:
1- المؤتمرات العربية والعالمية الخاصة بتمكين اللغة العربية، وتمكين إسهامها الحضاري والعلمي والثقافي.
2- جعلت الأمم المتحدة يوم الثامن عشر من كانون الأول (ديسمبر) يوماً عالمياً للاحتفاء باللغة العربية.
3- معارض الكتاب؛ ففي كل العواصم العربية تقام معارض سنوية، ترافقها فعاليات تثقيفية تسعى إلى تمكين اللغة العربية.
4- الجوائز الدولية الخاصة بعلوم اللغة العربية وآدابها، ومنها ما هو عالمي، إضافة إلى الجوائز المحلية الكثيرة.
5- المهرجانات الأدبية الكبرى، إضافة إلى الملتقيات الأدبية في الجامعات والمدن في كل الدول العربية.
6- وسائل الإعلام: فقد سعت القنوات الرسمية في الدول العربية منذ تأسيسها إلى ترسيخ ثقافة الفصحى في المجتمع باستخدام الخطاب الفصيحح، لكنها تنازلت تدريجياً إلى العامية في ما عدا نشرات الأخبار.
7- المسلسلات التاريخية، التي أحيت اللغة العربية في الذهنية المجتمعية.
8- أفلام الكرتون المدبلجة بالفصحى، وهي مهمة جداً في ترسيخ اللغة في أذهان الأطفال وتهيئتهم لاستساغة التحدث بها واستشعار جمالياتها.
وفي عصر الفضائيات والتقنية تبنت قنوات اللغة الفصحى في كل برامجها، واتجهت قنوات إلى استضافة لغويين راسخين، يبرزون جماليات اللغة العربية، كما أن مؤسسات رسمية كبرى تبنت مشروع تعليم النحو والصرف والبلاغة مجاناً عبر منصات برامج التقنية، منها منصة «طلاب رواق العلوم الشرعية والعربية بالأزهر»، و«أكاديمية سيكرز» في تركيا، وجمعية «الراسخون في العلم» الكويتية.
وتلحق بهذه المنصات جهود فردية كثيرة، إذ نهض لهذا المشروع لغويون فتحوا قنوات يبثون منها دروسهم، فيشرحون أمهات الكتب في النحو والبلاغة، والقصائد المنتخبة، كالمعلقات والحماسة، وغيرَ ذلك كثير. وهذه المنصات هي التي يعول عليها في نشر علوم العربية والتثقيف المجتمعي بها؛ إذ إنها مفتوحة بلا شروط ولا كلفة ولا عناء.
إلا أن العائق الذي يحول دون الإقبال على هذه المنصات هو غياب الحافز وربطُ العلم بالأمور النفعية، إذ يتساءل المرء: ماذا سأستفيد من تعلم اللغة العربية وأكثر الشركات، حين تطلب موظفين، تشترط إتقان الإنكليزية، ولا تتطرق إلى اللغة العربية؟!
والعلاج يبدأ من التأسيس المدرسي، وينتهي في الإعلام، وذلك بالآتي:
1- تحييد العامية في الخطاب، ليعتاد الطالب على الفصحى.
2- ترسيخ مفهوم الهوية اللغوية والحث على التمسك بها.
3- تحبيب الطلاب بالعلم، لفضله عند الله، ولأنه في حد ذاته مكسب معرفي، ولدوره في نهضة الأمم. وعزله عن الحسابات المادية.
4- التركيز في دروس البلاغة على الجوانب البيانية والدلالية أكثر من الجوانب الشكلية، لتنمية خاصية التذوق لدى الطلاب. وتأكيد أهمية تدبر القرآن الكريم، وأن ذلك لا يتأتى إلا من طريق تعلم قواعد اللغة العربية وفهم أساليبها.
5- قيام القنوات والإذاعات الرسمية بواجبها ومسؤوليتها في هذا الجانب بتحييد العامية في الخطاب، واعتماد الفصحى في البرامج والحوارات.
وختاماً أشكر لكم حسن استماعكم.
