غدير حميدان الزبون posted an update 12 hours, 59 minutes ago
“وباء الادّعاء وتكاثر الثقافة المزيّفة”
غدير حميدان الزبون
فلسطين 🇵🇸أخبرني أيها القارئ النبيل، هل لاحظتَ هذا التكاثر العجيب؟ طبعا لا أقصد الأشجار ولا الأرانب ولا حتى الإعلانات المضيئة، إنني أتحدّث عن أولئك الذين استيقظوا ذات صباح فاكتشفوا أنهم مثقفون فجأة من دون مقدمات، ومن دون كتب متعبة، ولا ليالٍ طويلة قضاها الفكر في مصارعة سؤالٍ عنيد.
إنهم في كل زاوية ينبتون كما تنبت الفطريات بعد مطرٍ فاسد، ويحملون حقائب ممتلئة بالمصطلحات الثقيلة، ويقذفونك بها في المقاهي، وعلى الشاشات، وفي منشورات لا تقرؤها إلا مجبرًا لأنّ صاحبها صديقك أو قريبك أو أحد روّاد التنوير.
يحدّثك أحدهم عن “تفكيك الخطاب”، وهو لم يفكك يومًا عقدة جهله، ويتغنّى بـ“الوعي الجمعي”، بينما يعجز عن جمع فكرة إلى أختها، ويرفع راية “الحداثة” عاليًا، ثم يرتجف كلما اقتربت منه فكرة جديدة بلا فلتر أو وصاية.
انتبه أيها القارئ، فالأمر لم يعد بريئًا. لقد أضحت الثقافة عندنا شهادة مزوّرة يحملها من صرخ بصوت أعلى، وبات الصمت جريمة، والتفكير البطيء تهمة، والعمق عيبًا في زمن السرعة والنسخ واللصق.
المضحك المبكي أنهم لا يقرؤون، لكنهم يعرفون كلّ شيء عن القراءة، ولا يكتبون، لكنهم يحاكمون النصوص كما يحاكم الجلاد ضحيته.
يحبّون المرايا، ويكرهون النوافذ، ويخافون السؤال؛ لأنّ السؤال قد يفضح خواءهم أمام أنفسهم قبل غيرهم.
أما الثقافة الحقيقية تلك الخجولة المتعبة المليئة بالشك والأسئلة والاعتراف بالنقص فتمشي بيننا منكّسة الرأس.
تعتذر كلما تكلّمت، وتُتَّهَم بالغرابة وقلة الحيلة؛ لأنها لا تصرخ ولا تتاجر بالمعرفة.
قل لي أيها القارئ، ألسنا شعبًا يعالج السرطان بالتصفيق للورم؟ ألسنا نكافئ الادّعاء، ونطرد المعنى إلى المنفى ثم نتساءل ببراءة مصطنعة: لماذا صار كل شيء فارغًا؟
أخاف أنْ يأتي يوم نحتاج فيه إلى تعريفٍ جديد للثقافة، أو إلى لافتة صغيرة معلّقة على أبواب المنصّات تقول:
احذر، هنا يكثر المتظاهرون بالفهم.
وإلى ذلك الحين، دعنا نضحك قليلًا؛ فالضحك آخر ما تبقّى لنا مع اتّساع هذا الوجع الفكري، وإقامته بحجم الوطن.
👍
