الأنشطة

  • قام ملاك محمد يوسف بتحديث النشر منذ 9 hours, 41 minutes

    لن تفهم. منذ أن بدأت أكتب، وأنا أعلم أنك لن تفهم. أكتب لنفس السبب كل مرة، ولكن لأنني لست كلمة تُقرأ وتُطوى، إنما أنا قاموس، حُفر في صفحاته ألمُ الحروفِ وأملُ الجُملِ. هل تدري أنني حين أكتب، لا أكتب لأشرح، بل لأفتح باب التأويل؟ أنني لا أسعى إلى وضوح العبارة، بل إلى تلك الضبابية التي تُبقيك تبحث عن المعنى؟ أأنت قادر على فك رموز لغة لا تُترجم، ولا تُختصر في كلمة واحدة؟
    أأنت تعرف الفرق بين “أكتبُ” و”أكتبْ”؟ الأولى فعلٌ يمضي بثقة، والثانية انتظارٌ يترقب نهاية مجهولة. وأنا، كلما كتبت، كنت أنتظر أن تفهم أنني لست تلك الكلمة التي تقرأها وتنتهي منها. أنا الجملة التي تحوي في طياتها سؤالًا، وعتابًا، وإصرارًا على أن تُفهم. لكنك لم تدرك.
    أنت تبحث عن إجابة في نهاية الجملة، بينما أنا أخفيت السؤال في بداية الحرف. أأنت تدرك أن القاموس لا يُقرأ دفعة واحدة؟ أن كل كلمة فيه هي نافذة تطل على بحر من المعاني؟ أنا تلك الكلمة التي يطول شرحها، ويتسع معناها، ولا تكتمل إلا إذا قرأتَ ما قبلها وما بعدها.
    حين أضع نقطة، لا أعني نهاية، بل دعوة للتفكير. وحين أضع فاصلة، فأنا أقول لك: “توقف قليلًا… أعد قراءة المعنى.” لكنك كنت ترى النقطة كقفلة، والفاصلة كفراغٍ لا أهمية له. حتى علامات التعجب التي وضعتها، لم تكن صرخة كما تظن، بل كانت دهشة من عجزك عن رؤية ما أراه.
    أتعلم أنني أكتب لأنني أعرف أنك لن تفهم؟ أن كل حرف أخطه هو محاولة يائسة لأقول: “أنا أكثر من كلمة. أنا أكثر من نص.” أنا القاموس الذي يحمل في طياته تاريخًا كاملًا من المشاعر. أنا التفسير والتفصيل، أنا الظاهر والخفي.
    ولكنك لم تدرك. لم تدرك أنني حين أكتب، أكتب لأنني لا أستطيع التحدث. لأنني لست كلمة بسيطة، بل صفحة مليئة بالهوامش. أنا الكلمة التي تحتاج إلى إعراب دقيق لتفهم موقعها في الجملة، ولكني لست جملة واحدة. أنا النص الذي يستعصي على الفهم، لأنني لم أُخلق لأُفهم بسهولة.
    لن تفهم، لأنك كنت تقرأني كما تُقرأ الجريدة، تبحث عن ملخص للمعنى، بينما أنا كنت أكتب قصيدة لا تُلخَّص. كنتُ أريدك أن تدرك أنني، منذ أن بدأت أكتب، كنتُ أكتب لنفس السبب: لأنني لستُ كلمة. أنا قاموسٌ مليءٌ بما لن تدركه أبدًا.

مقر الاتحاد الدولي للغة العربية

الاتحاد الدولي للغة العربية

arArabic