الأنشطة

  • قام أحمد سلامة بتحديث النشر منذ 4 days, 19 hours

    نِيَّةُ اللَّفْظ: مِيزَانُ القَوْلِ وَبَصِيرَةُ الفُؤَاد
    فلسفة ومعادلة الكلام في ضوء الرياضيات الأدبية
    بقلم: أ.د. أحمد سلامة
    مؤسس المشروع العربي لأدب الرياضيات (الرياضيات الأدبية(
    أستاذ الرياضيات وعلوم الحاسب – كلية العلوم – جامعة بورسعيد

    ومضة: الرياضيات الأدبية هي أن نُخضع الحرف لهندسة الفؤاد؛ فنقيس زوايا مقاصدنا بمعيار الصدق لئلا تميل عن جادة الرشاد، ونرسم بالكلمات دوائر حبٍ تطوق الأرواح وتزيل شتاتها. في محرابنا هذا، ليست النية مجرد قيمة متغيرة، بل هي الثابتُ الراسخ الذي يحيل اللفظ من صدى صوتٍ عابر إلى نبضِ روحٍ يبني ويُحيي

    إن اللفظ في عمق المنظور الأدبي ليس مجرد ذبذبة صوتية عابرة أو صدى خالٍ من الروح يتردد في فضاء الخلاء؛ بل هو كائن حي يولد في صدر الفؤاد، وينمو بـنبض الروح ليعبر عن كينونة الوعي الإنساني. وإذا كان لكل كائن حي سر حياة، فإن سر بقاء الكلمة وصلاحها وتأثيرها يكمن في نية اللفظ هذه النية هي سر كوني وروحي سابق للمقال، يسبق تشكل الحروف ونشوءها قبل بدء الانشداد والانطلاق في فضاء التعبير والنطق. ولولا سكون هذا القصد الصادق والطاهر في صدر الكلمة، لما أضاء النور الإلهي في دروب اجتهادنا العلمي والأدبي، ولما نطق اللسان بما يوافق الرشاد والهدى. فاللفظ لا يبني النفوس ولا يشيد المعاني إلا إذا نفخت فيه الروح نبضها، ولا يثمر القول فائدة إن غاب عنه السداد والتوفيق.
    الكلمة بين ثنائية البناء والهدم
    تتجلى الكلمة في فلسفة الرياضيات الأدبية كقوة مؤثرة قادرة على موازنة الأرواح وإعادة تشكيل البناء المعنوي للنفس البشرية. فالكلمة ليست محايدة؛ إنها إما رافعة معنوية «ترفع قلباً حزيناً» وتجبر خاطراً منكسراً بالود والرحمة، أو أداة جائرة تهدم بالجور صرح انقيادي فتفرق القلوب وتشتت البنيان معنوياً وفكرياً.
    إن الفارق بين البناء والهدم في عالم الكلمات يحدده عامل جوهري واحد، ألا وهو نية اللفظ . فـجرح اللفظ ووقعه السيئ في القلوب ما هو إلا انعكاس مباشر لنية فاسدة تشوبها الأحقاد، بينما رفع الروح والارتقاء بها هو ضياء متدفق من نية نقية تسعى للبناء والإصلاح. إن أي قول يجري على اللسان خالياً من مقصد الحق والصدق هو قول ساقط لا محالة، يتهاوى كأوراق الخريف الذابلة في مهب رياح الفساد، بينما القول الذي يزدهر بالنيات الصالحة يطير بجناحين من نور ليعمر ما هدمته يد الأعداء ويطهر النفوس من جفاء السواد.
    • هندسة الحروف ومقياس الفؤاد
    اللفظ وعي متكامل، والقلب هو المقيم العدل والمقياس الحقيقي الذي يحيل القول العادي إلى درر باهرة تسطر أمجاد التاريخ. وفي هذا الإطار الرياضي الأدبي، فإننا نزن الحروف ونقيسها بمقاييس ومعايير صدق صارمة، تماماً كما نقيس الزوايا الرياضية والهندسية لفك الانعقاد وحل المعضلات الرياضية المعقدة.
    ومن هنا يتضح الفارق الجوهري بين الهداية والغي؛ إذ لا يكمن هذا الفارق إلا في ميل القصد وانحراف زاوية التوجه عن جادة الاقتصاد والاعتدال. فإذا طغى لسان المرء وصاحب العلم في التعبير والتعليم بلا حكمة وبلا مقصد نبيل، ضاع عبق اجتهاده وتشتت مسعاه. إننا نرى في النيات الصالحة جذوراً عميقة لارتقاء الإنسانية والعلوم معاً، تمد غصونها الباسقة في سماء المعرفة لتنال المراد والغاية الأسمى.
    • مسؤولية صاحب العلم والعدالة اللفظية
    في ميزان العدالة اللفظية، تعادل كل عبارة حق طاهرة ونقية حملاً ثقيلاً من الأجر الإلهي الذي يبني عماد الإنسان في دينه ودنياه. فالألفاظ ليست هباءً منثوراً، بل هي رسائل فكرية وروحية سامية تُصاغ لتشفي الانفصام الفكري والروحي، وتلم شتات النفوس. ولذلك، نوجه خطاباً دقيقاً إلى كل ذي علم وبصيرة: دقق مقالك ، فإن الحساب عظيم والكلمة مسؤولية كبرى لا يستهان بها.
    لقد جعلت النية هي الثابت الرياضي الراسخ في نفسي ثابت النية، فكل خلاف أو انحراف عن هذا الثابت هو محض ارتداد وفتور. وعندما تتحول نية المرء الصادقة إلى ضياء مشع، فإن ظله نفسه يستحيل نوراً يهدي البلاد والعباد، ويرسم دروب السداد لمن يسير خلف الحروف باحثاً عن نجوم الهداية وسط ظلمات العناد والجهل.
    • رياضة القلوب والدوائر الهندسية للحب
    لو كان قولنا وفكرنا بمثابة رياضة للقلب تسعى لتزكيته، لطاب التكامل والترابط المتناغم بين الأيدي والقلوب. فالعلوم والآداب تتكامل لتخدم الروح الإنسانية؛ إذ لا قيمة حقيقية لأي علم أو معرفة إن لم تكن نابعة من شغاف القلب لتفيض بإسعاد النفوس وإرشاد الحائرين والطلاب.
    إن النية القصوى قد تتجلى تارة في صمت نقي بليغ، يعقبه صياغة دقيقة للأفكار والمعاني بعد تأمل وعمق. وعندما ننطق بالصدق والود، فإننا نعيد صياغة أنفسنا ليكون كلامنا ختام وداد متصل. وفي هذه الرؤية الرياضية، نرى الكلمات كـدوائر حب هندسية تحيط بأرواحنا، لتمحو قيود التبعية والاستسلام وتسمو بنا إلى آفاق الحرية واليقين.
    • خاتمة الوداد وطهر النوايا
    لقد رسمنا لكل سؤال فلسفي جواباً يطهر المقاصد وينقي السرائر حتى أقصى غايات السمو والنزاهة. فسلام على كل لفظ حق أنار ظلام العقول وبدد ليل العناد الفكري، وسلام على طهر النوايا التي نختم بها مسيرتنا ومقامنا العلمي والأدبي، لتكون لنا نعم الرفيق وخير الدليل ليوم المعاد والوقوف بين يدي رب العباد

مقر الاتحاد الدولي للغة العربية

الاتحاد الدولي للغة العربية

arArabic