الأنشطة

  • قام عبد الخالق الزهراوي بتحديث النشر منذ 2 days, 6 hours

    ربما صادفت يوما رحالة أو صانع محتوى مغربيا وهو يتحدث بعفوية أمام الكاميرا، ثم فجأة يتوقف عن الكلام، يتردد قليلا، ثم يصحح لنفسه بكلمة فصيحة قاطعا حبل الدارجة.
    كنت أتابع رحالة مغربيا، أراد أن يصف شيئا، فاستحضر كلمة “موطيشا” (كما ينطقها أهل فاس)، ثم تذكر فورا أن متابعيه من مدن أخرى قد لا يفهمونها، فاستدرك: “سأقولها بالفصحى… إنها الأرجوحة”.
    هذه اللحظة السريعة ليست مجرد “تصحيح عابر”، بل هي “ذكاء تداولي” يستحق التأمل. نحن هنا أمام ما أسميه “الملاذ اللساني”.
    ما هو الملاذ اللساني؟
    في عالمنا الرقمي اليوم، نحن لا نتحدث إلى الجيران في الحي، بل نخاطب متابعا من وجدة، وآخر من أكادير، وثالثا من طنجة. الدارجة المغربية في حد ذاتها “بحر”، لكنها بحر له “تضاريس”. عندما تغوص في المفردات المحلية (مثل: زعلولة، دواشة، دواحة، الزيطة، شطاحة…) تكتشف أنك أمام “غنى دلالي” يتحول، للأسف، إلى “عائق تواصل” إذا لم يفهم الطرف الآخر قصدك.
    في تلك اللحظة، يتدخل “الملاذ اللساني”: الفصحى.
    الفصحى ليست مجرد لغة “كتب”… إنها صمام أمان
    نحن نخطئ عندما نظن أن الفصحى لغة للمدارس والمقررات فقط. في الفضاء الرقمي، تتحول الفصحى إلى “صمام أمان”. حين يشعر المتحدث أن “قناة التواصل” مع جمهوره بدأت تهتز بسبب كلمة غامضة أو لهجة ضيقة، يهرب فورا إلى الملاذ اللساني (الفصحى) لأنها “القاسم المشترك الأعظم”.
    إنها اللغة التي تضمن لنا جميعاً -رغم اختلاف مشاربنا الجهوية- أن نصل إلى “المدلول” ذاته دون أن نضيع في “دوال” متنوعة قد تضلل المستمع.
    هل التراجع للفصحى هو “تخل” عن الدارجة؟
    على العكس تماماً! هذا السلوك هو دليل على “الكفاية التبلغية” (القدرة على إيصال الرسالة بذكاء).
    اللجوء للفصحى ليس تعجرفا، بل هو حرص على “الأمن التداولي”.
    هو محاولة لإنقاذ الموقف قبل أن يقع “انكسار الفهم” (Communication Breakdown).
    المتحدث الذي يستخدم الفصحى في لحظة لبسٍ، هو شخص يمتلك “مرونة لسانية” عالية؛ فهو يراوح بين “حميمية الدارجة” (لبناء علاقة عاطفية مع الجمهور) و”دقة الفصحى” (لضمان وضوح الرسالة).
    في مدونتنا “لساني”، نحن لا نؤمن بالصراع بين العامية والفصحى، بل نؤمن بأن كل منهما يكمل الآخر. الدارجة تمنحنا الروح والحميمية، والفصحى تمنحنا “الملاذ” حين تعجز اللهجات عن إيصال المعنى.
    في المرة القادمة التي تجد نفسك تتوقف لتشرح كلمة بلهجتك، ثم تقرر قولها بالفصحى لتريح بالك وبال المستمع… تذكر أنك لم تفعل ذلك صدفة، بل فعلته لأن لغتنا العربية ما زالت، وستظل، هي “السنن الجامع” الذي يربطنا ببعضنا.
    تأملات الزهراوي اللسانية بتاريخ: 22/08/2026

مقر الاتحاد الدولي للغة العربية

الاتحاد الدولي للغة العربية

arArabic