قام ملاك محمد يوسف بتحديث النشر منذ 2 weeks, 1 day
يا صديقي الصامت.. يا من تملك رأساً مدبباً كأحلامي، وجسداً نحيلاً كقدرتي على الاحتمال.
إليك أعود، لا لأخطّ دروساً أو أحلّ معادلاتٍ صمّاء، بل لأسكب في جوفك حبراً من نوعٍ آخر؛ حبرٌ لزجٌ يشبه الأيام التي مرت بي مؤخراً، ثقيلٌ كخيبتي، وداكنٌ كليالي السهر التي ذهبت جفاءً.
أتدري ما معنى أن يستحيل الفصلُ فصلاً من الخريف؟ أن تذبل الساعات والشهور وتتساقط أمام عينيك كورقٍ يابس، دون أن تملك حقّ إنقاذ ورقة واحدة؟ لقد هندستُ الأيام، وضعتُ المبتدأ طموحاً يطاول السماء، وبذلتُ الجهد ليكون الخبر ناصعاً، فإذ بالملخص كله يُحذف، وإذ بالصفحات تُطوى على بياضٍ قسري، كأنني لم أسهر، وكأنني لم أحاول.
يقولون “فصلٌ ضاع”.. ما أسهل الكلمة في أفواهم، وما أثقلها في ميزان روحي! هم يرون الوقت كأرقامٍ تُحسب، وأنا أراه كقطعٍ من عمري ونبضي، أُهدرت في ممراتٍ انتهت إلى حائطٍ مسدود. أقف اليوم في منتصف المسافة، محاطةً بحطام أمنياتٍ صغيرة، وبقايا طاقةٍ تآكلت تحت وطأة الضغوط.
تأملني جيداً يا قلمي.. هل ترى هذا الارتجاف في السطور؟ إنه ليس عيباً في حبرك، بل هو صدى التحديات التي تجرعتها بصمت. كنتُ أظن أن السعي وراء المعرفة يبني، فإذ بي أجد نفسي مضطرةً لأن أعيد بناء نفسي أولاً من تحت هذا الركام.
حين أضغط عليك الآن بقسوة، أنا لا أكتب.. أنا أصرخ صرخةً صامتة، أفرغ شحنات التعب والخذلان التي تراكمت في صدري طوال تلك الأسابيع العجاف. أضع فاصلةً طويلة.. تعني أنني متعبة حدّ الذهول، لكنني لم أنتهِ بعد.
يا قلمي، كن منصفاً معي.. إذا جفّ حبرك يوماً، تذكر أنني لم أبخل عليك بدموعي ولا بجهدي، وأن هذا الحطام الذي نسير فوقه الآن، ليس إلا تقليباً لصفحةٍ قاسية، تمهيداً لنصٍّ جديد، سنكتبه معاً، وبشروطنا نحن.