الأنشطة

  • قام غدير حميدان الزبون بتحديث النشر منذ 4 hours, 22 minutes

    الحُبُّ استعارةٌ للحرب- قراءة سيميائية في قصيدة “شتاء ريتا الطويل” لـمحمود درويش.
    غدير حميدان الزبون
    فلسطين 🇵🇸

    منذ بدايات الشعر الإنساني ظلّ الحبُّ اللغة الأكثر قدرةً على مقاومة العنف في العالم؛ لغةً تنتمي إلى الحياة في مقابل الموت، وإلى الحميمية في مقابل الصراع. غير أنّ التجربة الشعرية لدى محمود درويش تقوّض هذا التصور التقليدي، إذ تكشف أنّ الحبّ في بعض السياقات التاريخية المأزومة لا يعود نقيضاً للحرب، إنما يتحول إلى مرآةٍ تعكسها وتفضح بنيتها العميقة.
    فعندما يولد العشق في فضاءٍ تتنازعه الجغرافيا والذاكرة والسلطة يصبح مجالاً للصراع الرمزي، وتغدو اللغة العاطفية وسيلةً لإنتاج خطابٍ سياسي وثقافي مشفّر.
    انطلاقاً من هذا المنظور لا يمكن التعامل مع قصيدة شتاء ريتا الطويل على أنها قصيدة غزلٍ بالمعنى التقليدي على الرغم من حضور مفردات العشق فيها. فالقصيدة في بنيتها العميقة تُعيد تشكيل العلاقة بين الحب والتاريخ، وتحوّل الحبيبة إلى علامةٍ سيميائية كثيفة تتقاطع فيها دلالات المرأة والوطن والآخر في آنٍ واحد.
    ومن هنا يطرح النص إشكالية مركزية، فهل يكتب الشاعر تجربة حبٍ مستحيلة، أم أنّه يستخدم الحب قناعاً لغوياً للكشف عن مأساةٍ تاريخية أوسع؟
    تنبع أهمية هذا السؤال من أنّ شعر محمود درويش لا يكتفي بوصف الواقع، فهو يعيد إنتاجه في نظامٍ رمزي معقد، إذْ تتحول الصورة الشعرية إلى فضاءٍ تتصارع فيه المعاني.
    ومن ثمّ فإنّ قراءة “شتاء ريتا الطويل” قراءةً سيميائية تكشف أنّ الخطاب العاطفي فيها يخفي بنية دلالية أعمق تتجلى في مفارقةٍ أساسية، فالحب الذي يبدو في ظاهره وعداً بالحياة يتحول تدريجياً إلى نبوءة حربٍ كامنة في لغة القصيدة.
    ومن هذا المنطلق يسعى هذا المقال إلى تفكيك البنية الرمزية للقصيدة، والكشف عن الكيفية التي يتحول فيها خطاب الحب إلى خطاب صراع، بحيث تصبح “ريتا” علامةً تتجاوز حضورها الفردي لتغدو استعارةً مكثفةً للتوتر التاريخي.
    وبذلك تنتقل القصيدة من النص العاطفي إلى الشهادة الشعرية على لحظة تاريخية يتداخل فيها العشق مع العنف، والإنسان مع قدره السياسي.
    فلا يمكن قراءة قصيدة “شتاء ريتا الطويل” قراءةً عاطفيةً محضة على الرغم من أن بنيتها السطحية توحي بذلك. فالقصيدة في مستوى الدلالة العميقة لا تكتب قصة حب بقدر ما تُشيّد خطاباً رمزياً مركباً يمكن قراءته على شكل تمثيل شعري للصراع التاريخي وللوعي الفلسطيني الذي يتشكل في قلبه.
    ومن هذا المقام فإنّ العلاقة بين “الأنا” و“ريتا” تخرج عن علاقة بين عاشقين إلى بنية رمزية تحيل إلى توترٍ بنيوي بين الذات الفلسطينية وواقعها التاريخي، وهكذا يتحول الحب إلى خطابٍ استعاري يخفي في داخله بنية حربٍ كامنة.
    ففي التحليل السيميائي تعمل الشخصيات الشعرية على شكل علامات ضمن نظام دلالي، وفي هذا السياق يمكن النظر إلى “ريتا” على أنها علامة متعددة المستويات.
    فهي في المستوى السردي شخصية حبيبة، لكنها في المستوى الرمزي تمثل “الآخر” الذي يشارك الذات تاريخاً إنسانياً مشتركاً، بينما يفصل بينهما صراع سياسي وعسكري.
    هذا التوتر بين القرب الإنساني والقطيعة التاريخية هو ما يمنح الشخصية طابعها الإشكالي.
    فالحب هنا يكشف حدّة الصراع، والعلاقة بين العاشقين تعيد إنتاج العلاقة بين شعبين يتقاطعان في الجغرافيا والذاكرة، لكنهما يقفان في موقعين متضادين داخل التاريخ.
    وتكمن بنية القلق الوجودي في الاستفهام الافتتاحي، فيبدأ المقطع بالسؤال: “أتأخذني معك؟”.
    وفي القراءة السيميائية يعمل الاستفهام كبنية لغوية تكشف هشاشة الذات. فالسؤال يشير إلى حالة عدم استقرار وجودي، ليصبح الانتماء موضوعاً للشك.
    إنّ الذات المتكلمة تسأل عن مرافقة عاطفية كما تسأل عن إمكانية النجاة داخل عالمٍ يتشكل تحت ضغط العنف. ولهذا فإن السؤال يفتح أفقاً تأويلياً يتجاوز العلاقة الفردية، ليحيل إلى قلق جماعي يتعلق بالمصير والهُوية.
    وعن الاستعارة الجغرافية للجسد يقول الشاعر: “فأكون خاتم قلبك الحافي”.
    إذْ تظهر استعارة مركبة تُحوّل الجسد إلى فضاء جغرافي، فالقلب الذي نعرفه مركزا للحياة يصبح موضع العري والضعف.
    أما الخاتم فهو علامة العهد والانتماء، لكنه أيضاً شكل دائري مغلق، وهذه الدائرة يمكن قراءتها رمزياً على أنها تمثيل للحصار أو للدورة التاريخية التي يعيد فيها الألم إنتاج نفسه من جديد.
    فالجسد استعارة للأرض، وقلبٌ مكشوف يحتاج إلى حماية، بينما العاشق يتحول إلى علامة ولاء داخل هذا الفضاء الجريح.
    وعن الولادة من أجل الفقد يقول الشاعر:
    “فأكون ثوبك في بلاد أنجبتك…لتصرعك”.
    تكشف هذه الصورة عن مفارقة مركزية في التجربة الفلسطينية، فالأرض التي تمنح الهُوية قد تتحول إلى مسرحٍ للفناء.
    والبلاد باتت قوة قدرية تنتج الحياة والموت معاً، والثوب بات رمزاً للحماية التي تحاول أنْ تخفف من قسوة هذه المفارقة.
    لكنه يظل حماية رمزية، لأنّ العنف التاريخي يتجاوز قدرة الرموز على ردعه. وهكذا تتحول الاستعارة إلى تعبير عن وعي مأساوي بالعلاقة بين الإنسان وأرضه.
    وعن جمالية الموت الفلسطيني في قول درويش: “تابوت من النعناع”.
    إذْ تبلغ البنية الرمزية ذروتها في الصورة:
    “وأكون تابوتاً من النعناع يحمل مصرعك”.
    في التحليل السيميائي تقوم هذه الصورة على جمع علامتين متناقضتين: التابوت كعلامة موت، والنعناع كعلامة حياة يومية مرتبطة بالبيت والذاكرة.
    إنّ الجمع بينهما يخلق ما يمكن تسميته ب“جمالية الموت الفلسطيني”، ليصبح الفقد جزءاً من الحياة اليومية.
    فالنعناع رمز ثقافي للبيت والضيافة والطمأنينة، وعندما يتحول إلى مادة للتابوت يصبح الموت مشبعاً بذاكرة المكان، وبهذه الطريقة يعيد النص تعريف الموت كاستمرار للعلاقة مع الأرض.
    وعن انهيار البرهان في: “ضاع يا ريتا الدليل”.
    يشير قول الشاعر في : “ضاع يا ريتا الدليل” إلى لحظة انهيار في النظام المعرفي للنص.
    فالدليل يمثل البرهان العقلي الذي يفسر العالم، لكن في سياق الحرب تفقد الأدلة قدرتها على الإقناع؛ إذ يصبح الواقع أكثر تعقيداً من أن يُفسَّر بمنطق بسيط.
    إنّ ضياع الدليل يعني أنّ العاشق لم يعد قادراً على تبرير علاقته، لا لنفسه ولا للعالم.
    وهكذا تتحول القصيدة إلى اعتراف بأنّ الحبّ لا يستطيع أنْ يقف في وجه التاريخ.
    ويختتم درويش المقطع بالجملة الشهيرة: “والحب مثل الموت وعدٌ لا يُرد… ولا يزول”.
    وفي هذا التركيب البلاغي يقيم الشاعر علاقة تماثل بين مفهومين يبدو أنهما متناقضان: الحب والموت، غير أنّ النص يعاملهما ظاهرتين قدريتين.
    فكلاهما يتجاوز إرادة الإنسان، وكلاهما يفرض حضوره على أنه حقيقة نهائية.
    في السياق الفلسطيني يكتسب هذا التماثل بعداً تاريخياً، فالحب للوطن قدرٌ لا يمكن التخلي عنه، كما أنّ الموت في سبيله احتمال دائم.
    هكذا يصبح العشق والموت جزءاً من معادلة وجودية واحدة.
    وقد رأيت في القصيدة نبوءة، إذْ تكشف القراءة السيميائية لقصيدة “شتاء ريتا الطويل” أنّ النص لا يكتفي بالحديث عن تجربة حب معقدة، إنما يعيد إنتاج بنية الصراع التاريخي داخل اللغة الشعرية.
    فكل صورة في القصيدة تحمل أثراً للحرب من القلب الحافي، فالبلاد التي تلد أبناءها للفقد، فالتابوت المعطر، إلى ضياع الدليل.
    بهذا المعنى تتحول القصيدة إلى خطاب نبوئي يلمح إلى أنّ الحرب بنية كامنة في العلاقات الإنسانية حين تتقاطع مع التاريخ.
    ومن هنا يمكن القول إنّ النص لا يروي قصة عشقٍ فاشلة، فهو يكشف مأساة أعمق، هي مأساة عالمٍ لا يستطيع أنْ يحتمل الحب الذي يولد في زمن الصراع.
    في ضوء هذه القراءة يتبين أنّ قصيدة شتاء ريتا الطويل تأتي نصاً غزلياً يروي مأساة حبٍ مستحيل، وخطاباً شعرياً يكشف كيف يمكن للعاطفة أنْ تتحول إلى بنية معرفية لفهم التاريخ.
    فالحب الذي يبدو في ظاهر النص وعداً بالحياة يتبدّى في عمقه الدلالي وعيدا مأساويا لحربٍ كامنة في الوجود، حربٍ لا تنفصل عن الجغرافيا ولا عن الذاكرة ولا عن الإنسان الذي يجد نفسه عالقاً بينهما.
    لقد نجح محمود درويش في أن يُشيّد عبر لغة الحب نصاً يتجاوز حدود التجربة الفردية ليصبح استعارةً كبرى لقدرٍ تاريخي كامل.
    فـ”ريتا” لم تعد امرأة في القصيدة، إنما تحولت إلى علامةٍ رمزية يتقاطع فيها القرب الإنساني مع الاستحالة السياسية، ويتجاور فيها العشق مع الفقد.
    والمفارقة الكبرى تتمثّل في أنْ يولد الحب في المكان نفسه الذي تُصاغ فيه الحرب.
    وعند هذه النقطة تحديداً يكتشف القارئ أنّ القصيدة لم تكن تحكي قصة حبٍ انتهت، فكانت منذ البداية تكتب نبوءة. وكل صورة فيها هي شذرات من وعيٍ شعري رأى ما وراء اللحظة، واستشرف مأساة العلاقة بين الإنسان وتاريخه.
    وهكذا، إلى أنْ يصل القارئ إلى السطر الأخير ويصادف العبارة:
    “والحب مثل الموت وعدٌ لا يُرد… ولا يزول” ليدرك فجأة أنّ القصيدة لم تكن تتحدث عن الحب وحده، ولا عن الموت وحده، فهي تتحدث عن ذلك القدر الغامض الذي يجعل الإنسان يعيش الاثنين معاً.
    فالشاعر يكتب عن عالمٍ كاملٍ لم يتعلم بعد كيف ينجو من الحرب حتى عندما يتكلم لغة الحب.

مقر الاتحاد الدولي للغة العربية

تواصل معنا

الاتحاد الدولي للغة العربية

arArabic