الأنشطة

  • قام غدير حميدان الزبون بتحديث النشر منذ 1 week, 1 day

    “مائدة بين اسمين”
    غدير حميدان الزبون
    فلسطين 🇵🇸

    كانت السماء تميل إلى لونٍ رماديٍّ كثيف في غروب استثنائي لا يشبه سواه، وتتدرّب على الحداد قبل أنْ يحلّ الليل في طرف المقبرة إذْ تتلاصق الشواهد البيضاء مثل أكتاف متعبة.
    قبل الأذان بدقائق كانت المقبرة تستعدّ لليلها المعتاد.
    ريحٌ خفيفة تمرّ بين الشواهد البيضاء فتُصدر صفيرًا خافتًا يشبه همسًا طويلًا، وأسماءٌ منقوشة على الحجر تتلقّى آخر ما تبقّى من ضوء النهار.
    لا حركة هنا سوى ظلٍّ يمتدّ ثم ينكسر، ولا صوت سوى ارتطام عشبٍ يابس بحافة شاهد.
    ثم على غير ما اعتادت الأرض دخلت خطواتٌ حيّة.
    خطوات لا تبحث عن وداع، إنما عن موضع جلوس.
    رجلٌ يحمل بيده كيسًا صغيرًا، وامرأةٌ تسبق بعينيها المكان كأنها تستأذن الصمت، وأطفالٌ يتلفتون حولهم بدهشةٍ لا تعرف هل هي خوف أم فضول.
    جلس أبو يونس، وفرد قطعة قماش خضراء فوق التراب، ثمّ نفض عنها غبار الريح براحتيه كما لو أنه يهيّئ سرير طفل لا مائدة إفطار.
    قالت له زوجته أم يونس بصوت خفيض:
    – هنا؟
    أجاب وهو يغرس نظره في شاهدٍ كُتب عليه اسمٌ يعرفه جيدًا:
    – هنا أقرب.
    أبو يونس لم يختر المكان عبثًا.
    قبل عامٍ واحد فقط كان بيته قائمًا في الحيّ الشرقي، وكان المساء يعني ضحكاتٍ تتزاحم عند المائدة، وأصابع صغيرة تتسابق إلى التمر قبل الأذان.
    أما اليوم، فالبيت صار كومة حجارة، والحيّ صار ذكرى، ومن بقي من العائلة حملوه إلى هذه الأرض الصامتة.
    لقد كان مجيئه إلى المقبرة اعترافًا بالموت المحتّم.
    قال لنفسه:
    إنْ كان لا بدّ لنا أنْ نعيش فلنَعِش قرب من لم يُسمح لهم أنْ يكملوا حياتهم.
    جلس الأطفال حول المائدة، يونس الصغير، وليان، وسليم.
    كانت عيونهم تدور بين الأطباق القليلة وبين القبور الكثيرة.
    همس سليم:
    – بابا… هل يسمعوننا؟
    توقّف أبو يونس لحظة، ثم مسح على رأسه:
    – يسمعون الدعاء… ويسمعون قلوبنا.
    كانت رائحة العدس الساخن تمتزج برائحة التراب الرطب بينما توزّع أم يونس قطع الخبز بحذر، فهي تخشى أنْ يوقظ صوتها أحدًا من نومه الطويل.
    وعندما ارتفع الأذان من مسجدٍ بعيد لم يُسمع صوته كاملًا فالقذائف في الأفق تُكمل ما تبقّى من الجملة.
    رفع أبو يونس يديه، فارتعشت أصابعه قليلًا.
    لم يدعُ بطول العمر، ولا بسعة الرزق.
    قال فقط:
    – يا رب… اكتب لنا حياة لا نخجل منها أمامهم.
    في تلك اللحظة أصبحت المائدة بيانًا صامتًا، وحُجّةً على عالمٍ يتفرّج.
    أيّ ألمٍ يحمله هذا الخبر؟
    أنْ يضيق بك الوطن حتى لا تجد مكانًا تفطر فيه سوى بين شاهدين، وأنْ تتحوّل المقبرة إلى حيّ سكني، والحيّ إلى أثر، فيصبح الموت جارًا يوميًا حتى تقرّر أنْ تكفّ عن الهرب.
    أم يونس لم تبكِ؛ لكنها حين ناولت ابنتها كوب الماء لاحظت أنّ يد الصغيرة لا ترتجف.
    قالت في سرّها:
    تعتاد القلوب ما لا ينبغي أنْ يُعتاد.
    بعد دقائق، سأل يونس:
    – بابا، لم لا نذهب إلى مكانٍ بعيد؟
    سكت الأب طويلًا.
    كان يمكنه أنْ يختصر الإجابة بكلمة واحدة: لا نستطيع.
    لكنه قال:
    – لأنهم هنا… ونحن هنا… وهذه الأرض تعرف أسماءنا.
    كانت الإجابة أكبر من طفل، وأثقل من رجل.
    في زاوية المائدة وضعت أم يونس صحنًا صغيرًا فارغًا.
    لم يلحظه الأطفال، لكن أبو يونس فهم.
    هو لأخيه الذي رحل في الشتاء الماضي، ذلك الفراغ الذي لا يُرى لكنه يملأ المكان.
    عندما انتهوا من الطعام لم يسرعوا في الرحيل.
    جلسوا قليلًا يشاركون الجيران صمتهم.
    قال أبو يونس وهو ينظر إلى الأفق:
    – نحن أحياء… لكننا بجوار الموتى ليشهدوا أننا ما زلنا هنا.
    الخبر في عناوينه قصير:
    “عائلة تفطر بين القبور”
    لكن ما لا يُكتب في العنوان هو هذا الامتحان اليومي للكرامة بأن تختار الحياة، لأنها حق، فتجلس إلى مائدة ناقصة في أرضٍ مثقلة بالغياب، وتقول للعالم:
    نحن لا نبحث عن مشهدٍ مؤثّر… نحن نبحث عن مكانٍ نتنفّس فيه.
    أيُّ ألمٍ يحمله هذا الخبر؟
    يحمل ألم وطنٍ ضاقت به الجغرافيا فاتّسع في القلوب، ويحمل وجع أبٍ يخاف على أطفاله من الاعتياد، كما يحمل سؤالًا معلّقًا في الهواء:
    كم يجب أنْ يتألم الإنسان حتى يُرى؟
    وعندما غادرت العائلة المقبرة لم تكن القبور صامتة كما كانت، فثمّة شيء ما تغيّر.
    ربما لأنّ الحياة ولو لساعة مرّت من هناك.
    وربما لأنّ المائدة وإنْ كانت صغيرة فقد أثبتت أنّ الأحياء لا يستأذنون الموت ليعيشوا.
    وعندما همّوا بالرحيل التفت يونس الصغير فجأةً وقال:
    – بابا… نسيتَ شيئًا.
    تجمّد أبو يونس في مكانه.
    ظنّ أنه نسي كوبًا، أو بقايا خبز، أو قطعة القماش الخضراء.
    سأله:
    – ماذا نسيتُ؟
    اقترب الطفل من شاهدٍ أبيض، وانحنى قليلًا، ثم وضع فوقه تمرةً واحدة.
    قال ببساطةٍ لا تحتمل الفلسفة:
    – لم نفطر وحدنا.
    لم تردّ أم يونس.
    لكنّ الدموع التي امتنعت طويلًا قررت أنْ تنزل في تلك اللحظة.
    مشى أبو يونس خطواتٍ بطيئة نحو البوابة، ثم توقّف، ونظر إلى صفوف القبور الممتدّة كجيشٍ من الأسماء.
    لم يشعر أنه يغادر مقبرة.
    شعر أنه يخرج من بيتٍ مزدحم.
    في الخارج كانت المدينة تُعِدُّ ليلًا آخر من الاحتمالات الثقيلة.
    أما في الداخل فبقيت تمرةٌ صغيرة فوق حجرٍ بارد شاهدةً على حقيقةٍ لا يكتبها الخبر فالذين يحاصرهم الموت لا يتعلّمون كيف يموتون…
    هم يتقنون على نحوٍ مُربكٍ للعالم كيف يُشركون الغياب في تفاصيل الحياة.
    وفي الصباح التالي جاءت ريح قويّة فلم تُسقط التمرة.
    فلديها هي الأخرى من الفلسفة ما يكفي لتدرك بأنّ بعض الأشياء لا يجوز أنْ تقع.

مقر الاتحاد الدولي للغة العربية

تواصل معنا

الاتحاد الدولي للغة العربية

arArabic